يتمتع القراص، واسمه العلمي Urtica dioica، بتاريخ عريق في الطب العشبي، يعود إلى اليونان القديمة. واليوم، تواكب مجموعة متنامية من الأبحاث المُحكّمة هذا الإرث، كاشفةً كيف يمكن لمستخلصات القراص المُعالجة أن تُساعد في تهدئة الاستجابات المناعية التي تجعل موسم الحساسية مُرهقًا للغاية.
قبل أن نستكشف العلاج، لا بد من الإشارة إلى هذه المفارقة. فالقراص نفسه مصدرٌ للحساسية والتهيج. تُطلق الشعيرات الدقيقة الموجودة على أوراق نبات القراص، والتي تُسمى الترايكومات، مزيجًا من الهيستامين وحمض الفورميك والأستيل كولين عند ملامستها، مما يُسبب الطفح الجلدي الحارق المعروف.1 كما يُمكن أن يُثير غبار طلعها المحمول جوًا أعراض الحساسية الكلاسيكية لدى الأشخاص ذوي الحساسية، بما في ذلك التهاب الأنف والتهاب الملتحمة.
فكيف يُمكن لنبات يُسبب ردود فعل تحسسية أن يُخففها أيضًا؟ يكمن الجواب في الفرق بين النبات الخام والمستخلصات المُعالجة، وفي التركيب الدوائي المُعقد لنبات القراص.
يُعد التهاب الأنف التحسسي، المعروف باسم حمى القش، اضطرابًا التهابيًا في الغشاء المخاطي للأنف، يتوسطه الغلوبولين المناعي E (IgE). عندما يستنشق شخص مُصاب بالحساسية حبوب اللقاح، يتعرف عليها الجهاز المناعي كتهديد ويُطلق استجابة: ترتبط الأجسام المضادة IgE بالخلايا البدينة والخلايا القاعدية، مما يُحفز إطلاق الهيستامين ووسائط التهابية أخرى. والنتيجة هي سلسلة الأعراض المألوفة من احتقان الأنف، وسيلان الأنف، والعطس، والحكة، والتي تصيب ما لا يقل عن 20% من سكان العالم.3
"أكدت العديد من الدراسات دور المؤكسدات والإجهاد التأكسدي في الفيزيولوجيا المرضية لالتهاب الأنف التحسسي."
ويبدو أن مستخلص نبات القراص يوقف هذه السلسلة الالتهابية تحديدًا من خلال مسارات كيميائية حيوية متعددة وموصوفة بدقة.
العلم: كيف يعمل نبات القراص؟ كانت دراسة رائدة أُجريت في المختبر ونُشرت في مجلة أبحاث العلاج بالنباتات (روشيك وآخرون، 2009) أول دراسة تُقدم فهمًا آليًا لآلية عمل نبات القراص المضاد للحساسية. باستخدام تحليل DART TOF-MS، حدد الباحثون مركبات حيوية فعالة في مستخلص نبات القراص، ورسموا خريطة لتأثيراتها الدوائية:
مضادات مستقبلات الهيستامين H₁: يعمل مستخلص القراص كمضاد ومحفز سلبي لمستقبل الهيستامين-1، وهو نفس المستقبل الذي تستهدفه مضادات الهيستامين التقليدية.
تثبيت الخلايا البدينة: يثبط المستخلص إنزيم التريبتيز في الخلايا البدينة، مما يمنع تحللها وما يتبعه من تدفق للوسائط الالتهابية.
تثبيط إنزيمات COX: يثبط القراص إنزيمات سيكلوأكسيجيناز-1، وسيكلوأكسيجيناز-2، وإنزيم سينثاز البروستاجلاندين D₂ المكون للدم، وهي إنزيمات مركزية في مسارات البروستاجلاندين الالتهابية.
تعديل المناعة: تعمل مستخلصات القراص على تعديل نشاط الخلايا المناعية المشاركة في الاستجابات التحسسية، مما يساعد على تهدئة الجهاز المناعي المفرط النشاط من جذوره.
يُعزز محتوى نبات القراص الغني بالفلافونويدات، وخاصة الكيرسيتين والروتين، من فعاليته المضادة للالتهابات. فالكيرسيتين، وهو بوليفينول دُرِسَ جيدًا، يُثبط إنتاج وإطلاق الهيستامين عن طريق تثبيت أغشية الخلايا البدينة، ويُقلل من السيتوكينات والليكوترينات المُحفزة للالتهابات، ويُثبط إنتاج الإنترلوكين-4 (IL-4)، ويُمكنه تحسين توازن المناعة Th1/Th2 الذي يختلّ عادةً لدى مرضى الحساسية.5
الكيرسيتين: الحليف الأقوى لنبات القراص
أكدت مراجعة شاملة نُشرت عام 2024 في ScienceDirect أن فوائد الكيرسيتين تشمل انخفاض السيتوكينات والليكوترينات المُحفزة للالتهابات، وتثبيط إطلاق الهيستامين، وكبح إنتاج IL-4، وتقليل الأجسام المضادة IgE النوعية للمستضد.6 وأشارت المراجعة نفسها إلى إمكانات الكيرسيتين في علاج مجموعة من حالات الحساسية، بما في ذلك التهاب الأنف التحسسي، والتهاب الجلد التأتبي، والتهاب الملتحمة، والربو.
ولأن أوراق نبات القراص مصدر طبيعي للكيرسيتين، فإنها توفر هذه الفوائد إلى جانب آلياتها المباشرة المضادة للحساسية، مما يجعلها نباتاً متعدد الفوائد بدلاً من مكمل غذائي أحادي المركب.