مع وضع هذه الصورة في الاعتبار، لو أردتَ أن تُطلق على المصارعين لقبًا مرتبطًا بنظامهم الغذائي، فماذا ستختار؟ "آكلو الأبقار" أو ما شابه؟ لكن الباحثين يكتشفون شيئًا مختلفًا تمامًا. تُقدم لنا الدراسات التي أُجريت على العظام التي عُثر عليها في مقبرة جماعية للمصارعين في أفسس (تركيا الحالية) عدة أدلة حول الأنظمة الغذائية التي اتبعها المصارعون. فبدلًا من النظام الغذائي النمطي الغني باللحوم الذي نتصوره، كان المصارعون في الواقع يتناولون نظامًا غذائيًا نباتيًا بالكامل تقريبًا.
رياضيون نباتيون؟
أشارت التقارير المعاصرة إلى المصارعين باسم "hordearii"، وهي كلمة لاتينية تعني "آكلي الشعير". ويعتقد علماء الآثار أن هذا الاسم إشارة إلى نظامهم الغذائي، الذي كان يعتمد على الشعير والفاصوليا (مصدرهم الرئيسي للبروتين). هل من الممكن أن يكون المصارعون على دراية بتأثير النظام الغذائي على الجسم؟ يُعد النظام الغذائي النباتي وسيلة فعّالة لتحسين الأداء والحفاظ على صحة بدنية جيدة. ففي نهاية المطاف، من المؤكد أن الرجال الذين يمارسون هذه المهنة سيرغبون في تقديم أفضل ما لديهم. ربما كان المصارعون يؤمنون أيضًا بمقولة "أنت ما تأكل"، وفضلوا ألا ينتهي بهم المطاف أشلاءً.
قد يتبادر إلى ذهنك أن المصارعين كانوا يحصلون على طعام رخيص لأنهم كانوا سيموتون على أي حال، لكن هذا غير مرجح. فرغم دموية المعارك، إلا أن عدد الوفيات كان أقل مما تصوره أفلام هوليوود. كان المصارعون في الواقع رياضيين مدربين تدريبًا عاليًا، وكانوا يكسبون رزقهم من القتال. وكانت المعارك حتى الموت قرارًا تجاريًا سيئًا لأصحاب المصارعين الذين يدفعون تكاليف تدريبهم. بالطبع، شهدت بعض المعارك مواجهاتٍ حتى الموت، لكن هذا كان أقل شيوعًا. وقد أظهرت بعض الهياكل العظمية التي عُثر عليها في موقع أفسس آثار جروحٍ مُلتئمة، مما يُشير إلى أن المصارعين كانوا يتلقون علاجًا طبيًا، ويبدو أن أحد الهياكل العظمية يعود لمصارعٍ مُتقاعد.
الفحم كعلاجٍ طبيعي
ومن الاكتشافات الأخرى المثيرة للاهتمام استخدام المصارعين للفحم كمكملٍ غذائي أو علاجٍ طبيعي. تُوثّق المصادر التاريخية أن المصارعين كانوا يشربون مزيجًا من الماء والرماد (من الخشب أو أحيانًا العظام) كمنشط. ووفقًا لفابيان كانز، الباحث في قسم الطب الشرعي بجامعة فيينا الطبية، فإن هذه المشروبات "كانت تُستهلك بوضوح لتقوية الجسم بعد المجهود البدني ولتعزيز التئام العظام بشكلٍ أفضل". وكان المصارعون الذين يشربون هذه المنشطات "أقل عرضةً للإصابة بجروحٍ بالغة".
وقد أثبتت هذه المشروبات فعاليتها. أظهر تحليل عظام المصارعين وجود كميات كبيرة من الكالسيوم والسترونتيوم مقارنةً بعظام عامة الناس في تلك الحقبة. واليوم، يتناول العديد من الرياضيين مكملات الكالسيوم لحماية عضلاتهم وعظامهم، وإن كان ذلك بصورة أكثر ملاءمة. كما أن مستويات السترونتيوم مهمة أيضاً، إذ يُنظر إليه كوسيلة للوقاية من فقدان العظام وعلاج هشاشة العظام. وفيما يتعلق ببناء عظام قوية، فقد وُجد أن تناول السترونتيوم يُسرّع عملية الشفاء ويجعل العظام أكثر استقراراً. وأشار الدكتور كرانز إلى أن الرومان ربما كانوا يعرفون عن جسم الإنسان أكثر مما كنا نتصور.
ورغم أننا لا نستخدم الفحم لصحة العظام اليوم، إلا أنه لا يزال علاجاً فعالاً للعديد من الأمراض. فهو يُستخدم في غرف الطوارئ حول العالم لعلاج حالات التسمم، ويمكن استخدامه موضعياً لعلاج مجموعة متنوعة من الأمراض. إذا كنتم ترغبون في معرفة المزيد عن استخدامات الفحم، وخاصة الفحم النشط، فتابعوا سلسلتنا حول هذا الموضوع.
رغم وحشية مبارزات المصارعين، كان الناس في تلك الحقبة أكثر حكمة مما نتصور. فمجرد عيشنا في القرن الحادي والعشرين لا يعني بالضرورة أننا أكثر كفاءة من أسلافنا. ولنتذكر أيضاً أهمية التعلم من التاريخ، ففيه دروس قيّمة (وربما أسرار غذائية) تنتظر من يكتشفها.